علاقة الحشرات بالانسان
بعوضة الحمى الصفراء، حشرة طفيليّة ناقلة لحمى الضنك و الحمى الصفراء
يُعتبر الكثير من فصائل الحشرات طفيليّا مزعجا بالنسبة للبشر، والحشرات التي تعتبر هكذا غالبا ما تكون تلك الطفيليّة (كالبعوض، القمل، وبق الفراش)، ناقلة الأمراض (البعوض والذباب)، مدمّرة للمنشآت (النمل الأبيض)، أو مدمّرة للمحاصيل الزراعية (الجراد والسوس). ويختص العديد من علماء الحشرات بدراسة طرق مختلفة للسيطرة على أعداد الحشرات، حيث يلجأون غالبا لاستعمال المبيدات الحشريّة، إلا أنهم أصبحو مؤخرا يعتمدون أكثر فأكثر على أساليب السيطرة الطبيعيّة أو البيولوجيّة أي أنهم يقومون باستخدام وسائل تسيطر على أعداد الحشرات بشكل طبيعي كما يحصل في البرية كإطلاق سراح مفترسات طبيعية لتلك الفصائل.
وعلى الرغم من أن الحشرات الطفيليّة هي التي تستحوذ على إنتباه الإنسان في أغلب الأحيان، إلا أن الكثير من الحشرات يُعد نافعا للبيئة والبشر على حد سواء. فالبعض منها يقوم بتلقيح النباتات المزهرة (من شاكلة الزنابير، النحل، الفراشات، والنمل)، ويعتبر التلقيح بمثابة علاقة تبادليّة بين الحشرة والنبتة، فالنبات المزهر يُلقّح ويصبح قادرا على الإزدهار بينما تحصل الحشرات على كفايتها من النكتار وحبوب اللقاح اللازمة لغذائها. ومن المشاكل البيئيّة الجديّة اليوم تناقص أعداد الحشرات المُلقحة، حيث أصبح بعض الباحثين يقومون بتجميع بعض فصائل الحشرات الملقحة وإطلاق سراحها في الحقول، المشاتل، والبيوت البلاستيكية خلال فترة تزهير النباتات لضمان إستمرار وجود جمهرات منها في هكذا مناطق.
تنتج الحشرات أيضا بعض المواد المفيدة مثل العسل، الشمع، ورنيش الّلك، والحرير. وقد قام البشر بتربية نحل العسل منذ آلاف السنين للحصول على عسلها، ومؤخرا أصبحت تربيتها بغرض تلقيح أزهار ونباتات الحقول هدفا أخر ذو أهمية كبرى بالنسبة لمربي النحل. ومن الحشرات الأخرى التي لعبت دورا في تاريخ البشرية دودة الحرير، التي كانت السبب وراء نشوء تجارة الحرير بين الغرب والشرق والتي أنشأت علاقات للصين مع باقي دول العالم؛ وكان البشر أيضا يستخدمون يرقات الذباب سابقا لمعالجة الجراح أو لمنع إنتشار الغنغرينة، بما أن هذه اليرقات كانت تقتات فقط على اللحم الميّت، ولا يزال هذا النوع من العلاج يُتبع حتى اليوم في بعض المستشفيات، كما وتُستخدم بعض أنواع الزيزان ويرقات أصناف مختلفة من الحشرات كطعوم لصيد السمك.
يُنظر إلى الحشرات في بعض مناطق العالم على أنها مصدر للغذاء بينما يعتبر أكلها محرّما في بلدان أخرى، وهناك مقترحات حاليّة لتطوير استخدام الحشرات لهذا الغرض لتأمين مصدر أساسي للبروتين في غذاء الإنسان بما أنه من المستحيل إلغاء إستهلاك الحشرات الطفيليّة من قبل الإنسان التي تعيش وتتواجد في الكثير من أصناف الطعام وخصوصا المحاصيل الزراعيّة. والكثير من الناس لا يدركون أن قوانين الرقابة على الأغذية في الكثير من البلدان لا تمنع استخدام بعض أعضاء الحشرات في تصنيع المأكولات وإنما تحدد الكميّة المسموح بها فقط. يقول عالم الدراسات الإنسانية المتخصص بدراسة الحضارات البشرية المختلفة، مارفن هاريس، أن أكل الحشرات يعتبر محرّما في الحضارات التي تمتلك مصادر بروتين من السهل الحصول عليها مثل الدواجن والمواشي.
الكثير من الحشرات، خاصة الخنافس، تُعدّ قمّامة أي أنها تتغذى على الجيفة والأشجار اليابسة فتعيد تدوير المواد البيولوجية إلى أشكال تستفيد منها كائنات حيّة أخرى، وتعتبر الحشرات مسؤولة عن معظم العملية التي تُنتج عبرها الطبقة الفوقية من التربة. وكان المصريون القدماء يعبدون خنفسة الجعران أو خنفساء الروث ويمثلونها كتعويذات على شكل خنفسة، وكان المصريون يعتقدون بأن الجعران يولد من طمي النيل ويُمثّل تجدد الحياة بما أنه كان يخرج كل يوم مع بروز أشعة الشمس.
إن أكثر الحشرات فائدة للإنسان هي الحشرات المفترسة التي تقتات على فصائل أخرى من الحشرات، ويستطيع الكثير من الحشرات أن يتناسل بشكل سريع جدا لدرجة أنه بحال نجت جميع صغارها لكانت ستُغرق الأرض في موسم واحد، وبالمقابل فإن أي حشرة يقدر شخص ما على تسميتها أو تحديد فصيلتها سواء أعتبرت طفيليّة أم لا فإن هناك من فصيلة واحدة إلى المئات من الفصائل التي إما تكون طفيلية عليها أو مفترسة لها وتلعب دورا مهما في السيطرة عليها. تُعتبر الطيور بأنها المساهم الأول والأساسي في السيطرة على أعداد الحشرات، إلا أنه في الواقع فإن الحشرات الضارية هي التي تعلب الدور الأكثر فعالية في السيطرة على أعداد الحشرات الأخرى.
إن محاولة البشر للسيطرة على أعداد الحشرات الطفيليّة عبر استعمال المبيدات الحشرية يمكنها أن تكون سيف ذو حدين بما أن الكثير من الحشرات المفترسة المفيدة التي تقتات على تلك الطفيليّة تُقتل عن غير قصد مما يتسبب بالنهاية بحصول إنفجار بأعداد الحشرات الطفيليّة.
الحشرات النافعة. تشمل النحل والزنابير والذباب والفراشات والعثّات وما يلحق بها من ملقِّحات النباتات. ويعتمد الكثير من الفاكهة كالبرتقال، والتّفاح، والبرقوق، والفراولة، والتّوت الأسود، والكمثرى، والعنب، على الحشرات الملقِّحة، لإنتاج الثمار. كما تعتمد عليها أيضًا الخضراوات والمحاصيل الزراعية مثل البازلاء، والبصل، والجزر، والملفوف، والبرسيم، والفصفصة، والقطن. وتلقح الحشرات أيضًا زهور الحوذان والقرنفل ومجد الصباح والحلبان العطر (الأركيد) والكثير من الزّهور الجميلة المحبوبة الأخرى. انظر: اللقاح.
وتمثّل الحشرات كذلك مصدرًا غذائيًا مهما لآكل النّمل، والطيور والأسماك، والضفادع، والقنافذ والسحالي والبنجولين والزّبابات والظرابين وللعديد من الحيوانات الأخرى، وهي أيضًا مصدر غذاء حتى لبعض النباتات مثل نبات شرك الذباب، والنبات الإبريقي (النابنط) ونبات النّدية. وقد يأكل بعض الناس الحشرات ففي جنوب إفريقيا، يشوي بعض الناس النّمل الأبيض ويأكلونه بكميات كبيرة. ويصنع المكسيكيون كعكًا من بيض البق المائي، وفي شرقي إفريقيا، تصنع الفطائر من كمياتٍ كبيرة من البعوض الذي يتم اصطياده من المستنقعات.
وتمدّ الحشرات الإنسان بكثير من المنتجات الثمينة مثل العسل وشمع العسل اللذين ينتجهما نحل العسل، وصمغ اللك المصفى الذي يُصنع من مادة تفرزها حشرات اللك، والحرير الطبيعي الذي ينتجه دود الحرير.
وكثير من الحشرات تساعد على نظافة البيئة، لأنها تتغذى بفضلات الحيوانات وبالحيوانات الميتة وبقايا النباتات الميتة، كما تساعد الحشرات ـ التي تعيش داخل التربة ـ في تخصيبها بموادها الإخراجية وبأجسامها الميّتة.
وهناك العديد من الحشرات المفيدة، لأنها من المفترسات التي تفترس الحشرات الضارة، ومن تلك الحشرات الدَّعْسوقة (خنفساء أبي العيد) التي تتغذى بالعديد من الحشرات التي تدمّر المحاصيل. ومن الحشرات النافعة ـ أيضًا ـ الحشرات الطفيليّة التي تتطفّل على الحشرات الضارة، ومثال ذلك: تضع بعض الزّنابير بيضها في اليساريع التي تدمر نبات الطماطم، وحينما يفقس ذلك البيض، تتغذى الصغار بأجسام اليساريع وتلتهمها تمامًا.
الحشرات الضارة. تمثل الحشرات الضّارة أقل من 1% من المليون نوع ـ تقريبًا ـ من الحشرات، لكن هذه الكمية القليلة من الأنواع تحدث دمارًا شديدًا في المحاصيل.
قد تسبب الحشرات ضررًا لكل أنواع النباتات تقريبًا، ففي كل عام تدمّر الحشرات نحو 10% من المحاصيل التي تُزرع في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو 50% من المحاصيل التي تزرع في إفريقيا. وتشمل أهم تلك الآفات الحشرية سوس لوز القطن الذي يدمر محصول القطن، والذباب الهسّي الذي يهاجم محصول القمح، وديدان الذّرة الأرضية وحشرات الحنطة التي تدمر محصول الذرة الشامية والمحاصيل الأخرى، وخنافس كولورادو، التي تتغذّى بالبطاطس؛ والجراد الذي يتغذّى بأية نباتات تقريبًا.
كثير من الحشرات آفات منزلية، مثل: عثات الملابس، وخنافس البساط، التي تدمر الملابس والسجاد والأثاث المنجَّد والفراء، بينما تتلف لاحسة السكر الكتب، ويهاجم النّمل الأبيض (الأرَضَة) الأثاثات وأعمدة المنازل والأرضيات الخشبية، ويتلف كل من النمل والصراصير والذباب وكثير من الحشرات الأخرى، الأطعمة التي تُخزَّن في المنازل وفي المحلات التجارية.
وأسوأ الأعداء من الحشرات هو تلك الحشرات التي تهدد صحة الإنسان مثل: الأنواع العديدة من الذباب القارص التي تحقن في جسم الإنسان سمومًا مؤلمةً وأحيانًا مميتة. وهناك أيضا الكثير من البراغيث والقُمَّل والحشرات الطفيلية الأخرى التي تسبب قروحًا وتدمر الأنسجة وأحيانا تسبب الموت.كما ينقل الذباب المنزلي وذباب السّروء ـ عادة ـ الجراثيم التي تسبب حُمَّى التيفوئيد والكوليرا أو الزحار والأمراض الفتاكة الأخرى. وكثير من الحشرات ماصّة الدّم، تنقل أمراضًا قاتلة معيّنة مثل حُمَّى الضَّنَك، والتهاب الدماغ، والملاريا ومرض النوم الإفريقي والطاعون الدّبلي.

تعليقات
إرسال تعليق